يوم التأسيس مسيرة وطن:
الجذور التاريخية و التطورات المعاصرة
بقلم / أ.مصباح علي عزيبي
في يوم التأسيس تستحضر المملكة العربية السعودية جذورها التاريخية العميقة، وتستعيد لحظة الانطلاق الأولى التي وضع لبنتها الإمام محمد بن سعود عام 1139هـ / 1727م، حين أسس الدولة السعودية الأولى على مبادئ راسخة من الوحدة، والاستقرار، والعدل، والاعتماد على الشريعة الإسلامية نهجاً للحكم وبناءً للمجتمع. ولم يكن ذلك التأسيس حدثًا عابرًا في صفحات التاريخ، بل بداية مسيرة وطنٍ ممتدةٍ عبر القرون، تعاقب على قيادتها رجال دولة عظماء، وصولًا إلى قيام الدولة السعودية الحديثة على يد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، واستمرار نهج البناء والتنمية حتى يومنا هذا. ويأتي هذا اليوم المجيد ليجسّد ارتباط الماضي بالحاضر، ويؤكد أن ما تنعم به المملكة من أمنٍ واستقرارٍ ونهضةٍ شاملة هو ثمرةُ تأسيسٍ راسخٍ ورؤيةٍ بعيدة المدى.
يُعَدّ الملك عبد العزيز آل سعود أحد أعظم القادة في التاريخ العربي الحديث، إذ استطاع بحكمته وبُعد نظره أن يؤسس دولةً قويةً وموحَّدة في شبه الجزيرة العربية، هي المملكة العربية السعودية. وقد تميّزت قيادته بالحكمة السياسية، والتخطيط الاستراتيجي، والقدرة الفذّة على توحيد القبائل والمناطق المختلفة تحت راية واحدة، فصنع بذلك كيانًا سياسيًا متماسكًا ودولةً راسخة الأركان.
بدأ الملك عبد العزيز مسيرته التاريخية باستعادة مدينة الرياض عام 1319هـ 1902م، وكانت تلك الخطوة نقطة الانطلاق الحقيقية لمشروع توحيد البلاد. واعتمد في مسيرته على مزيجٍ متوازنٍ من الشجاعة العسكرية، والحكمة في إدارة التحالفات، فنجح في كسب ولاء القبائل، وتحقيق الاستقرار الداخلي. ولم يكن هدفه التوسّع الجغرافي فحسب، بل سعى إلى بناء دولة تقوم على الأمن والنظام، وترتكز على تطبيق الشريعة الإسلامية وقيم العدل والاستقرار.
واتسمت سياسته بالحكمة والاتزان في التعامل مع القوى الإقليمية والدولية، إذ أدرك أهمية التوازن في العلاقات الخارجية لحماية الدولة الناشئة وضمان بقائها. كما أولى اهتمامًا كبيرًا ببناء مؤسسات الدولة، وتنظيم الإدارة، وتطوير الاقتصاد، لا سيما بعد اكتشاف النفط، مما أسهم في ترسيخ دعائم الدولة الحديثة وتعزيز قدراتها التنموية.
وتجلّت حكمة الملك عبد العزيز في قدرته على الجمع بين الحزم والتسامح، وبين القوة السياسية والرؤية الإصلاحية، فحقق الوحدة والاستقرار، وترك إرثًا سياسيًا وحضاريًا ما زالت آثاره حاضرة حتى اليوم. فقد قامت الدولة على أسسٍ راسخةٍ من الوحدة والأمن والتنمية، وأصبحت ذات مكانة إقليمية ودولية مرموقة.
واصل أبناؤه الملوك من بعده مسيرة البناء والنهضة؛ فعمل الملك سعود بن عبد العزيز على تطوير مؤسسات الدولة وتوسيع نطاق الخدمات الأساسية، بينما ركّز الملك فيصل بن عبد العزيز على تحديث الدولة وتعزيز التعليم والعلاقات الدولية، وكان له دورٌ بارز في دعم القضايا العربية والإسلامية. أما الملك خالد بن عبد العزيز فقد شهد عهده توسعًا اقتصاديًا كبيرًا بفضل الطفرة النفطية، مما أسهم في تطوير البنية التحتية وتحسين مستوى الخدمات.
وفي عهد الملك فهد بن عبد العزيز شهدت المملكة نهضةً عمرانيةً وتعليميةً واسعة، وتم التوسع في الحرمين الشريفين لخدمة ملايين الحجاج والمعتمرين. ثم جاء عهد الملك عبد الله بن عبد العزيز الذي أولى اهتمامًا خاصًا بتطوير التعليم، ودعم الابتعاث الخارجي، وتعزيز ثقافة الحوار والانفتاح الحضاري.
وقد شهدت المملكة العربية السعودية في السنوات الأخيرة مرحلةً مفصلية من التحديث والتطوير في ظل قيادة الملك سلمان بن عبد العزيز، وبمساندة ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، حيث اتجهت الدولة نحو بناء اقتصادٍ متنوعٍ ومجتمعٍ حديث، مع الحفاظ على القيم الإسلامية والهوية الوطنية. وقد عمل الملك سلمان على تعزيز استقرار الدولة، واستمرار مسيرة التنمية، ودعم الإصلاحات الإدارية والاقتصادية، إلى جانب تعزيز دور المملكة إقليميًا ودوليًا، مع عنايةٍ خاصة بخدمة الحرمين الشريفين وتطوير البنية التحتية والمشروعات التنموية في مختلف مناطق البلاد.
أما ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، فقد قاد رؤيةً طموحةً للتحديث من خلال رؤية السعودية 2030، التي تهدف إلى تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط. وشملت هذه الرؤية تطوير قطاعات السياحة والترفيه والتقنية والصناعة، وتمكين الشباب والمرأة، وتحسين جودة الحياة عبر مشروعات كبرى وبنية تحتية متقدمة. كما أسهمت الإصلاحات الاقتصادية في جذب الاستثمارات العالمية، وتطوير المدن الذكية، وتعزيز الابتكار، مما دعم تحوّل المملكة إلى مركزٍ اقتصاديٍ إقليميٍ ودولي. وقد ترافقت هذه التحولات مع تحسين الخدمات الحكومية، وتسريع التحول الرقمي، بما أسهم في تسهيل حياة المواطنين والمقيمين.
إن ما تشهده المملكة اليوم من إنجازات يعكس رؤيةً مستقبليةً واعية تسعى إلى تحقيق التنمية المستدامة، وبناء اقتصادٍ قوي، ومجتمعٍ مزدهر، لتواصل المملكة مسيرتها بثبات نحو التقدم، وتعزيز مكانتها بين دول العالم.
بقلم:
أ. مصباح علي عزيبي

.jpg)
.jpg)


.jpg)


.jpg)









































